عش كالقطيع.. وكبر دماغك!

أسهل شيء أن تعيش بثقافة "القطيع" وتتنكر لمبادئك ومعتقداتك وأفكارك، خاصة إذا كانت أفكارك تحمل طابع التفرد والتجديد، وتريد أن تحتمي بالجدار وتمشي في ظله لتسلم!
ولذلك صارت الأطروحات التي -يفترض أن تكون فكرية- تحمل نفس الضبابية والتشتت، لأن الكاتب يكتب وقلبه يتوجس ردة فعل فلان وعلان حين يقرأ ما يكتبه..
وكذلك فإن بعض الكتبة "يجتر" أفكار غيره بطريقة ممجوجة، دون عزو المعلومة الأصلية إلى مصدرها، فيضيع حبر المعلومة "بين القبائل"!
وأصعب هؤلاء حالا، من وجد نفسه فجأة محط الأنظار لمقالة كتبها ذات مساء، واختلف اليها الناس فظن المسكين أنه مرجع الرأي في هذا الباب وسيده، ويبقى يجمع شيئا من النقول المعربة، ويتمنى الا يتنبه اليها أحد!
قد يأتي غير المتخصص فيدلي بدلوه في بحر من بحور الفكر الغربي، وهو لا يعرف من رائده وعمدته، ثم يبدأ في سلخ الأفكار المترجمة المنسوبة اليه، ثم يعرضها على مبادئه وأفكاره، ويفند ويناقش ويكتب، ثم يتناولها أصحابه في مجموعاتهم البريدية ومواقعهم الالكترونية على أنها النصر المبين، والحق الذي لا جدال فيه!
ثم إذا سألته وناقشته وجدت أنه لا يعرف عن المذهب الغربي إلا اسمه، رغم أنه اعتبر كل المنتمين اليه من أهل "الفسق" على أقل تقدير..
أحدهم كتب كتابا عن "رائد" حركة تنويرية، وكنت أردت أن أسأله عن الكتاب لما رأيت فيه من التجني على المسكين الذي كتب الكتاب ومات ولم يقل ما فسر به صاحبنا كلامه!
واكتشفت من أول كلمتين في الحديث أن الرجل كتب الكتاب في نقد "التنويري"، معتمدا على كتب من سبقه ممن نقدوا الرجل نفسه، وكان ذلك في نظري شيئا من الغباء، فلا يمكن أن اعتمد على نصوص منسوبة لرجل من مخالفيه، دون الرجوع ألى المصادر الأصلية!
وفي المقابل تجد من "يتشدق" في تفسير نصوص الشريعة وكأنه كان يعيش في "الحارة" أيام الأجيال الإسلامية الأولى جارا لأبي هريرة، وهو لا يقرأ العربية كما ينبغي، مع أن هذا أدنى مراتب التأهيل لقراءة النصوص الدينية وتفسيرها، ويعتمد على النقول، ويحسب أن العلم كله أن يعتمد على رأي "زيد وعبيد"!
أما الجماعتين الباقيتين فاحداهما تتشدد فتؤكد أن النصوص لا يجب أن تفسر إلا برؤية علماء الذين التقليديين، والأخرى تفترض أن أهل علوم الشريعة لا علاقة لهم بالأفكار الحديثة ومناقشتها، وهو إقصاء لا مبرر له، لأن المذاهب الدينية والفكرية كلها تشجع على التفكير والتطوير، ولا يشجع على السكوت والتقوقع إلا الجهلة والمتعالمين.
ولو أنهم أبدلوا "إلاستعباط" والتمترس خلف الآراء إلى القراءة المتبصرة، والكتابة عن فهمهم عوضا عن التقليد، لفتحت لهم أبواب السعادة، ويعيشون دون تسلط ثقافة الانقياد ضمن "القطيع" التي يختارونها لأنها الأسهل!
ولا تكلفه هذه السلبية شيئا، بل على العكس؛ "يكبر دماغه ويعيش، ويخلي الناس تعيش"!
* المقال الذي نسيت جريدة البلاد نشره

تعليقات

‏قال غير معرف…
لگ مني كل التقدير علئ هذا الكلام

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة إلى جميلات العالم .. من "دبدوب"

شيء من قصتي مع الإعلا(م/ن)

#قناة_العرب.. الحب أحيانا لا يكفي!