قبعة ومصحف وسيجارة (2)

في مطار دبي.. منظر الفتيات الأربع بعباءاتهن ورؤوسهن المكشوفة يبدو غريبا.. خاصة وأنهن وصلن على متن رحلة ترانزيت للخطوط الماليزية، الرحلة كانت أوفر بهذا الشكل، كانت نصيحة من موظف مكتب الخطوط.. أخذن بها.. ليتركن ما يتوفر من الميزانية للمتعة في دبي..

منظر الفتيات كان يوحي بالتشتت وانعدام التخطيط، وهكذا كان حالهن.. أصبحت منى قائدة الرحلة بشكل أوتوماتيكي، فهي قد عاشت في الغربة من قبل، وتعرف كيف تتعامل بسهولة مع "الرجال"!ا، بعكس صديقاتها اللاتي كن يعتمدن على إخوانهن وآبائهن في رحلات مثل هذه..
***
أبو منى كما يحب أن يسمي نفسه على مشارف الستين.. في مراهقته كان يعتقد أنه شيوعي، وحين علمت السلطات استضافته بضعة أشهر نسي فيها كل كتب الفلسفة والسياسة والثورة، وصار ثائرا على المجتمع وتقاليده، والضحية ابنته وزوجه، والابن الوحيد البعيد..

ليس من عادة أهل البلد أن يكنوا أنفسهم بأسماء بناتهم، لكنه كنَّى نفسه بأبي منى رغم أن أخاها وليد أكبر منها!ا..

عندما رشح للعمل دبلوماسيا في سفارة بلاده في كوبنهاجن.. سافر على حسابه، ولم ينتظر حتى يستلم المبلغ الممنوح للسفر.. التقط أوراق تكليفه، وأخذ زوجته وطفليه ومضى!ا
***
وليد هو شقيق منى الأكبر في الحقيقة ولكنه الأصغر في الواقع، في كل شيء، أصغر قدرا وأهمية، وأصغر شأنا عند محيطه الذي يعرفه.. لا أحد يعرف كيف يفكر، ولا ماذا يريد، يقضي وقته صامتا ساكنا في كل مجلس يدعى إليه، أو بالأحرى كل مجلس يرغمه والده على الجلوس فيه.. المكان الوحيد الذي يتمنى أن يذهب إليه راضيا هو ملعب كرة القدم.. في أي مكان يلعب فيه الهلال أو تشيلسي الإنجليزي!ا

عمله في البنك الأجنبي وفر له ميزانية جيدة، خاصة وأنه موكل بمتابعة 3 من كبار العملاء فحسب.. أحدهم يملك شركة للسفر والسياحة، وكثيرا ما يهديه تذاكر مفتوحة لمطاردة المجنونة في كل مكان!ا..

***
لملم إبراهيم أوراقه سريعا ليدرك محاضرة الشيخ الحيَّان.. فالشيخ لا يزور العاصمة إلا مرتين في العام، يلقي فيها محاضرتين ودورة علمية مطورة، هو يريد أن يحضر لإدراك اللقاء المفتوح الذي يهتم الشيخ دائما بأن يكون توقيته بعد صلاة العصر بالتحديد.. وهو ما يعتبره مشكلة إذ أن دوام شركته لا ينتهي إلا بعد الرابعة مساء.. وغالبا ما تكون الصلاة في مساجد العاصمة قد انقضت والطلاب المهتمون يحجزون كل الصفوف الأولى..
الإخلاص في العمل واجب.. والدرس "ملحوق".. جلس على أعصابه آخر نصف ساعة من الدوام.. وخرج عند تمام الساعة 3:59 .. دقيقة ويصل إلى السيارة!ا
***
الفتيات الأربع انتظمن في المقعد الخلفي لسيارة الأجرة.. رغم ضيق المكان.. لكن لم يكن في رغبة أي منهن أن تجلس بجوار السائق في المقعد الأمامي..
منى لم يكن لديها مانع.. لكنها توقعت أن آخر البنات ستركب في المقدمة بالتأكيد.. لكن مروة رفضت تماما أن تركب "جنب الرجّال".. وتضاحكن.. وركبن.. علقت هدى .. "يا مروة يا متخلفة"!ا
الفندق لم يكن قريبا.. هو في المنطقة الجنوبية من دبي.. حيث المعالم "السياحية" التي يريدون.. الفندق الذي اخترنه في جزيرة النخلة الجديدة.. الاختيار كان من مهمة هدى التي أكدت أن الفندق من أروع ما يكون..
***
رحلة السيارة من المطار إلى الفندق اختصرت معالم دبي المهمة في لحظات.. مر الوقت بهن سريعا.. لحظة عارمة من الصمت والضحك الخافت والابتسامة الدائمة.. لا يقطعها سوى إشارة هذه أو تلك لمعلم رأينه من قبل في إعلان تلفزيوني أو في مجلة..
اتصال هاتفي يقطع صمتهن فتهب كل واحدة منهن إلى هاتفها "البلاكبيري".. من جهلهن بالجهاز لم يغيرن نغمة الجوال.. وكل واحدة تظن أن جوالها هو الذي ينادي..
المقعد الخلفي المكتظ يئن.. والسائق التفت على أصوات "فحيح" الحقائب الجلدية.. لتكتشف منى أن جوالها هو الذي كان يرن.. وأن المتصل هو مديرها في العمل .. كلمة واحدة ارتسمت على وجهها دون أن تتكلم.. الله يستر!ا

تعليقات

‏قال لميس…
حبيت التفاصيل.. بس إذا نزلوا بالنخلة، ما كان فيه داعي يوفرو بتذكرة الطيارة :)

بانتظار الغد
‏قال Ahmed Al Suhimee
عجائب المفارقات.. ستعرفين السبب في الحلقات القادمة
رائع يا استاذ احمد.... بانتظار البقية
‏قال Ś H È
بآلآنتظآر =)

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة إلى جميلات العالم .. من "دبدوب"

شيء من قصتي مع الإعلا(م/ن)

#قناة_العرب.. الحب أحيانا لا يكفي!