من مدير مطحون إلى أبنائه الخريجين!

وانتهت الاختبارات ..

أيام من الضغط الذهني والعقلي والنفسي والباطني والداخلي والجسدي والحسي والمعنوي وأي شيء آخر ..

مساكين هم الطلاب .. فئران التجارب التي لا حول لها ولا قوة ..

اجتمع مجلس كبار النظار المكون من مدير المدرسة ونفسه ووكليه التابع المخلص وقرر تنفيذ الاختبار هذا العام بأسئلة من داخل المدرسة !!

يجلس المدير على عرشه أمام المصلى في حصة النشاط .. ويخاطب أبنائه الطلاب في السنة الثانوية الأخيرة بكلمة تاريخية .. خرج فيها تماما عن الموضوع ..

قال المدير في بداية كلمته ..

أيها الطلاب .. حثالة المجتمع الشبابي .. أبناء الطبقة الطفرانة الكادحة التي لا تقدر على دفع مصاريف المدارس الأهلية ..

أخاطب ثلثكم الذي طفح أكياس أرز الوطن – ما شاء الله- ليعاني المجتمع بسببكم من ارتفاع الأسعار..

أخاطب نفس الثلث وثلث آخر معه ممن جعلوا شركات المأكولات السريعة يفتحون فرعا كل شهر من فائض جيوب آبائكم الفارغة ..

والثلث الأخير الذي يأكل ويأكل ولا يظهر عليه أي أثر للأكل .. تجلس معه على السفرة وبينكم نصف حبة مندي .. وتبدأ في سالفة .. وما تنهيها إلى ولمعة الطبق القصديري ظاهرة للعيان..

ثم تخرج إلى الملعب فتجده يركض كالحصان ..

أيها الأبناء .. محصلة نسبة البطالة في الإحصائية القادمة ..

أنصحكم نصيحة رجل خط الشيب رأسه .. وساهم في حلق ذقنه وشنبه .. وأوصل لماع الأحذية إلى الحواجب في الفترة الأخيرة..

أنصحكم نصيحة مشفق عاش حياة تشبه حياتكم والفرق أنها كانت تشتمل على ما تبقى من الأمل ..

اتركوا العلم .. فليست وجوهكم بأهل للعلم ..

ما الذي ستستفيدونه؟

تصبح طبيبا في مستشفى مجهز بأحدث الأجهزة العالمية بعد عشر سنوات في كلية الطب وتنسى خرقة أو ملعقة أوقطعة في بطن أحدهم فتتدمر حياتك ..

تصبح معلما كادحا "تكرف" كل أسبوع أربعة وعشرين حصة على ثلة من جيل التقنية الحديثة – وأنا أعني هنا التقنية التي طلعت وأنتم تكافحون في الجامعة خمس سنوات في المعدل- وكل يوم تخرج لك قوانين جديدة .. لا تضربوهم .. لا تخصموا عليهم .. وصدقوني على أيامكم سيمنع حتى أنك تطالع في عيونهم لأن لذلك آثارا نفسية سيئة على الطالب المسكين.

ما الذي ستستفيدونه ؟

تصبح عالما مبدعا فتخترع لعبة يستغرق تسجيل الاختراع لها ست سنوات، ثم إذا جئت لتبيعها وجدت العالم قد اخترع خمطعشعر مليون اختراع مبني على اختراعك الغير مسجل..

تصبح مهندسا تعمل كالساعة .. كالآلة .. لا تعرف أمك وأبوك وأخوانك وبزرانك .. إلا في أحد العيدين!..

لكن البشرى أنكم بعد سنوات قليلة ستفتح لكم أبواب جديدة للعمل في مجالات الخدمة الوطنية ، سواء في البلدية أو في محلات التموين والخضرة، بألف وخمسمائة ريال ..

بس لا تفكر إنك تتزوج .. لا تفكر إنك تأخذ بيتا بعيدا عن ماما وبابا .. لأن الألف وخمسمائة ستدفع لك فاتورة الجوال، وشيئا من مصاريف الثياب والنعال..

أما إذا كان عندك حس كروي .. وأنا أعني مجرد حس فقط لا موهبة ولا هم يحزنون .. أهم شي يكون شكلك مقبول لتظهر في إعلانات الجوالات والتليفون، وتعرف تتكلم عشان تحلل بعد ما تعتزل .. وتغرف لك شوية ملايين من هون ولا من هون ..

أما من يتمتع بالموهبة الكروية .. فعليه بالكرة .. يلعب بها ينام معها .. بالعربي يتزوجها .. ويلعب في فريق محلي ثم خليجي ثم عالمي - وأعني بعالمي يعني في العالم - مثلا :

دوري الدرجة الثالثة البنجلاديشي ..

ولا تتردد إذا كانت لديك أية موهبة في الخداع والكذب أن تذهب إلى مجالين واسعين هما المحاماة والتسويق، اضحك على الذقون، اجعل الناس يشترون ما لا يحتاجون .. أغرقهم بالديون .. وإذا حصل لك نسبة ربا .. فلا تتردد وابحث لك عن واحد "متمشيخ" يفتي لك بجوازها..

أما إذا ضاقت بك الدنيا لتصبح عاملا في وظيفة حكومية، لا مستقبل .. لا حوافز .. وعملك يتلخص في قراءة الجرائد، والمسابقة على وظيفة مدير القسم المتوفى في المرتبة السادسة، فأمسك بها .. مهما كان تخصصك .. طبعا مثل هذه الوظيفة تتطلب استثمارا عالي المستوى في الواسطات، ولا أحد يفهمني غلط فالاستثمار الذي أعنيه الاستثمار في الرجال والمعروف الذي يقدمونه من خاطرهم الراضي تماما .. للتأكيد تماما ..

وأريد أن أنصحكم نصيحة أخيرة .. احترموا السواقين والشغالات والعمال .. وشبك لك ابني الطالب كم واحد .. حتى إذا لا سمح الله وساءت الظروف لقيت واحد يكفلك في بلد عربي أو عالمي لتعمل سواق أو شغالة .. أعني شغالا..

****

صمت لمدة خمس دقائق ..

يسقط المدير على رأسه ..

ويقف ..

لا تصدقون يا أبنائي .. كنت أمزح معكم .. "اطلبوا العلم ولو في الصين"، وإذا ما لقيتم بعثة يا أبنائي .. قدموا السنة اللي بعدها .. المهم إنكم لا تستسلمون.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة إلى جميلات العالم .. من "دبدوب"

شيء من قصتي مع الإعلا(م/ن)

#قناة_العرب.. الحب أحيانا لا يكفي!