يا حزن

أيا حزن .. من الذي سلطك علي ..
من أعطاك الحق لتسيطر على حياتي ..
أنا لست ضعيفا .. لست حقيرا .. لست عييا ..
كنت أظن أنني مع فقري سيد الدنيا ..
ومع قلة حيلتي بطل الأبطال ..
تبكي عيني على مدار الساعة الرملية ..
على مدار الأرض .. على كل مدار .. تبكي .. وكأن الحياة ليس فيها إلا أنت يا حزن ..
هل تعرف كيف جمعت البحار السبعة في قطر عيني دون دورة مائية ..
أعرف أن دمعي من ماء البحر ..
متأكد تمام التأكيد من ذلك .. فقد ذقت ماء البحر ومرت دمعة من ذلك الماء على لساني ..
هل تعرف الليل يا حزن .. صديقي الذي أنساك فيه .. على شاطئ بحر دموعي ..
أجلس على الضفة .. في يدي سلوتي ..
وأنا في يدها ..
أتألم وتتألم معي ..
والليل يشهد ..
أتعلم ياحزن .. أن ليلي بسواده .. يذكرني بك .. يجعلني أتذكرك .. لكنني في ذات الوقت أتذكر الظلم .. أتذكرك .. فيجتمع الضدان في الليل ..
الليل والحزن ..
لم تكونا ضدان في العربية ..
لكنكما اليوم ضدان في عربيتي ..
آه يا حزن ..
كنت لا أعرف الآه ولا أؤمن بالآه .. حتى عرفتني عليه ياحزن في ليلة وفاة الحبيب الأول .. ******
يا حزن .. لقيت صاحبك البارحة في النهار..
عفوا في باكورة الصباح ..
في الصباح الباكر .. أعتذر عن الباكورة التي أقحمها الوكيل في حواري معك ..
قابلت الهم .. صاحبك ..
لم أكن أتوقع أنه في ذلك الحجم الهائل ..
لم أكن أظن أن مخلوقا بهذا الوزن يمكنه أن يتنقل بمثل هذه السهولة..
تذكرت مباشرة (ويخلق ما لا تعلمون) ..
العجيب أن ذلك المتطفل جلس يعيرني بوزني الزائد ..
لم أستطع حتى أن أفكر في رد عقول أمام تلك الشحوم المتلاطمة في وجهه وجبينه ..
وهذه جديدة .. لم أر في حياتي أحدا يحمل شحما في جبينه ..
أعرف زيادة الوزن في البطن والأرداف والصدر ..
لكنني ولأول مرة رأيت رأسا سمينا ..
رأسا ..
تعرف أتوقع أن ما في رأسه من الشحوم فقط يوازي وزني كاملا ..
لكنني يا حزن .. أتمنى فقط أن لا أرى الهم مرة أخرى .. فقد رأيت ما يكفي لسنين.

أوتعلم يا حزن .. في كل يوم أقتل..
في كل يوم أزني ..
في كل يوم أرتكب من الآثام ما الله به عليم ..
لكنني أتردد كل يوم في الحديث عنك ..
أو بالأحرى شتمك ..
لكن المشكلة عندي في أمرين:
أنني لا أعرف ما الذي يمكن أن ينطبق عليك ..
فلست ابنا لأحد .. حتى أنعتك بابن أي شيء ..
ولست قريبا لأحد .. وليس لك صديق سوى الهم الذي أريد أن ألعنه أيضا ..
لكنني لا أستطيع .. يمنعني .. الحياء ..
وأظن أن الدين يمنعني أيضا ..
أمي منعتني من سبك ..
وأبي يمنعني من سبك .. والناس جميعا من حولي ..
ينهون لساني عن سبك ..
لكن جميع أولئك .. أمي وأبي .. إخواني .. الناس ..
ومن كانوا يوما يخشونك ..
إن قرأوا شيئا من كلمات هذا الكتاب ..
سيعودون إلى الرشد .. الرشد المطلق ..
والأمر الآخر يا حزن .. أنك غير معروف فأقتلك ..
غير ملموس فأتخلص منك .. أو على الأقل أحتويك ..
ولا كنه واضح لك ..
لكن .. كن حذرا .. فرجالي خلفك .. أنبهك من فائض كرمي وفرط شجاعتي .. لأنني إن لقيتك فلن تعرف الرحمة إلى قلبي طريقا ..ربما ..
لكن ما يعجبني أن إخوتي وأخواتي من بني آدم استطاعوا كثيرا أن يتجاوزوك .. أو أن يصعدوا على أكتافك الخفية ..
أسمعت قبل بالخنساء .. قالت قصيدة عصماء .. أصبح كثير من أجزائها أمثالا وحكما متداولة على الألسنة..
كأنها علم في رأسه نار !
كتب الآلاف بسببك ..
عرفنا كيف نصنع من اضطهادك حرية .. فكانت عجائب الأدب مكتوبة في ثيابك ..
ما الملك الضليل ؟.. ما المعتمد بن عباد ؟.. ما الرندي أبو البقاء .. ما محمد إقبال .. ما قيس لبنى .. ما قيس ليلى .. ما أنا .. ما الشعراء والأدباء والعلماء!
إنهم عظماء صعدوا على أكتافك الواهية .. فتعلقوا بالسحاب دونك .. وبقيت أنت مع الكلاب ..
أما ابن عمك البكاء فحدث و لا حرج ..
قف على سوقك المفضل لاختيار الناس .. قف على المقبرة ..
قف يا خسيس عليها لتراه يعبث بشيخ بلغ من الكبر عتيا ..
أو شاب لم يتجاوز الثلاثين يبكي على أمه ..
أو شاب لم يبلغ العشرين يبكي على ضياع حبه الأول..
ااضاع .. ضاع ..
عرفتك في مناسبة مشابهة قبل عقد ونيف ..
ربما لن تتذكرني .. فلم تكن لحيتي في تلك الأيام اكتملت بعد ..
ولم يخط شاربي في ذلك الحين ..
لكنني أتذكر أول مرة زرتني مع ابن عمك ..
فلم أتردد في صفعك أمام الناس ..
لكنك جئتني أيها الدنيء عند المنام .. فخنقتني ..
كدت تهلكني .. كدت تغمر حياتي بظلامك ..
وليلي بأحلامك ..
ونهاري "بأفلامك" ..
لكنني سأسطر في حياتي معك صورا من السعادة ..
لأعيش وتموت أنت ..
وأرضى و تغتاظ أنت ..
ولأعلن للعالم فضيحتك ..
تعلم يا حزن ..
سأقرأ ما دمت حيا ..
وسأكتب حتى أموت ..
وسترى في من يأتي بعدي من يهدمك .. وينسف عرشك الذي بنيته على رؤوس الجاهلين ..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رسالة إلى جميلات العالم .. من "دبدوب"

شيء من قصتي مع الإعلا(م/ن)

#قناة_العرب.. الحب أحيانا لا يكفي!